السيد الطباطبائي
338
تفسير الميزان
والبصيرة إلى ما في عالم الغيب من الحقائق كما أن ما في عالم الشهادة آيات دالة على ما في عالم الغيب على ما تكرر ذكره في القرآن الكريم ولا كثير فرق بين كون هذه المشهودات أمثالا مضروبه أو آيات دالة وهو ظاهر وقد تبين بهذا المثل المضروب في الآية أمور هي من كليات المعارف الإلهية أحدها ان الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات الذي هو بمنزلة الرحمة السماوية والمطر النازل من السحاب على ساحة الأرض خال في نفسه عن الصور والاقدار وانما يتقدر من ناحية الأشياء أنفسها كماء المطر الذي يحتمل من القدر والصورة ما يطرء عليه من ناحية قوالب الأودية المختلفة في الاقدار والصور فإنما تنال الأشياء من العطية الإلهية بقدر قابليتها واستعداداتها وتختلف باختلاف الاستعدادات والظروف والأوعية وهذا أصل عظيم يدل عليه أو يلوح إليه آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله : " وان من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم " الحجر : 21 وقوله : " وانزل لكم من الانعام ثمانية أزواج " الزمر : 6 ومن الدليل عليه جميع آيات القدر . ثم إن هذه الأمور المسماة بالاقدار وان كانت خارجة عن الإفاضة السماوية مقدرة لها لكنها غير خارجة عن ملك الله سبحانه وسلطانه ولا واقعة من غير اذنه وقد قال تعالى : " إليه يرجع الامر كله " هود : 123 وقال : " بل لله الامر جميعا " الآية : 31 من السورة وبانضمام هذه الآيات إلى الآيات السابقة يظهر أصل آخر أدق معنى وأوسع مصداقا وثانيها : ان تفرق هذه الرحمة السماوية في أودية العالم وتقدرها بالاقدار المقارنة لها لا ينفك عن أخباث وفضولات تعلوها وتظهر منها غير أنها باطلة أي زائلة غير ثابتة بخلاف تلك الرحمة النازلة المتقدرة بالاقدار فإنها باقية ثابتة أي حقة وعند ذلك ينقسم ما في الوجود إلى حق وهو الثابت الباقي وباطل وهو الزائل غير الثابت . والحق من الله سبحانه والباطل ليس إليه وان كان باذنه قال تعالى : " الحق من ربك " آل عمران : 60 وقال : " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا " ص : 27 فهذه الموجودات يشتمل كل منها على جزء حق ثابت غير زائل سيعود إليه ببطلان ما هو الباطل منها كما قال : " ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق وأجل مسمى " الأحقاف : 3 وقال : " ويحق الله الحق بكلماته " يونس : 82 وقال : " ان الباطل كان